بسم الله الرحمن الرحيم
( مستعجلون دائما !! )
أقرأ أحيانا في السير الذاتية لبعض العلماء والمفكرين وحتى أناس بسطاء من العالم الغربي ,
وأستمتع بها كثيرا , بل أجلس الساعات الطوال وأنا أكرّرها دون ملل , بل أنظر ا ليهم نظرة إعجاب بهم وبما يفعلون , لا لشيء , سوى أنه في الوقت الذي حثّنا ديننا الحنيف أن نكون أكثر هدوءا وتخطيطا وتركيزا , واقتناعا بما تدور به عجلة الزمن من منطلق إيماننا بالقضاء والقدر , تجدنا أبعد ما نكون عن ذلك , بينما يسبقوننا إليه من ذات أنفسهم , ومن ذلك أننا دائما نعتبر الأعمال التي نقوم بها مؤقتة وعلى عجل , ثم تتحوّل بقدرة قادر إلى دائمة رغما عنا , ودون تخطيط مسبق , بل لأننا كنا سنعود لها لمتابعتها وهل تنتهي أو تستمر ثم ننساها ,في الوقت الذي نقرأ في الحديث النبوي الشريف ( إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم غرسه فليغرسها ) .
تذكّرت ذلك حينما رأيت عددا من أبراج الاتصالات المتنقلة وقد وضعت على سيارة , وبقيت على حالها لأكثر من سنة , في الوقت الذي لو سألت أي مختص في تلك الشركة لقال لك بالحرف الواحد : هذه مؤقتة , وقد تبقى خمس سنوات أو عشر سنوات وذلك بسبب الاستعجال في تنفيذها وعدم التخطيط المسبق .
وفيما يخص عدم التخطيط المقرون بالإيمان بالقضاء والقدر , تذكرت أيضا مآسي بعض المتقاعدين الذين نزفهم في غرة رجب من كل عام وهم في دواخلهم يرون أنهم قد تمت الصلاة عليهم ودفنوا بلا رجعة , ذلك لأنهم متشبّثون بكراسيّهم وسيطرتهم ولا يعيشون إلا بالأمر والنهي والسيطرة وظلم عباد الله , وكأنها أملاك خاصة لهم , ولهذا ليس لديهم قناعة بأنهم سوف يتركونها لآخرين ,اعتقادا منهم بأن هذه الأعمال لا يجيدها سواهم , في الوقت الذي قد يكون البدلاء أفضل منهم بكثير , بينما لدى الغربيين نجد أحدهم يقوم بتهيئة نفسه لهذا اليوم قبل حلوله بخمس سنوات أو أكثر من ذلك , سواء بالتهيئة النفسية , أو بتجهيز أي هواية يحب ممارستها سواء رياضة أو قراءة أو زراعة أو صناعة , كما يقوم ببرمجة نفسه ووقته حتى يستطيع أن يتعايش مع عالمه الجديد الذي يعتبر في عرف معظمنا كعرب أشبه ما يكون بالسقوط من مكان عال , بل إن معظم المختصين لدينا إذا تمت ترسية مشروع على شركته لتنفيذه قد تصل مدة المشروع إلى أربع سنوات , تجده يضع مقر العاملين بشكل مؤقت بل ربما يكون خيمة تم تنفيذها في ساعة , بينما المشروع بملايين الريالات ويحتاج إلى جهد مضاعف , بينما شهدت قبل سنوات شهدت إجراءات قامت بها شركة أجنبية سوف تنفذ مشروعا في بلدي لن يستغرق سوى أقل من سنتين , فبدأ مسؤولوا الشركة في إعداد الموقع الخاص بسكن الشركة واستغرق منهم الوقت الكثير , بل لا أبالغ إذا قلت أنهم قد غرسوا في الموقع عددا من النخيل , والتي نعرف جميعا بحكم أنها من أشجار بيئتنا أنها لا يمكن أن تثمر قبل خمس سنوات على الأقل , بل والأدهى من ذلك أن أقاموا البنايات الإسمنتية ذات الطوابق المتعددة وملاعب لجميع أنواع الكرة , وكأنهم سوف يبقون في هذا المكان لعشرين بل ثلاثين سنة , بينما نحن كعرب دائما على عجل من أمرنا وأعمالنا كلها مؤقتة , حتى أن الواحد منا يختصر المسافات ليقض عملا قد نال عليه أجرا , فينهي هذا العمل قبل أوانه , لا لشيء إلا لأنه يريد أن يتجاوزه حتى لو كان سيذهب لمباراة أو لينام , في الوقت الذي ديننا يحثنا عبر النصوص الكثيرة و يدعونا دائما إلى الرفق وعدم العجلة , حيث يقول ( ما كان الرفق في شيء الا زانه و ما نزع من شيء الا شانه )
عبدا لرحمن بن محمد الفرّاج
aalfrraj@hotmail.com نشر بتاريخ 19-08-2008 |
|